محمد أبو زهرة
3823
زهرة التفاسير
أي بدا لهم الإصرار على سجنه لمدة معينة ، حتى ينسى الناس حوادث المرأة والنسوة اللاتي انضممن إليها ، وقد أكدن هذا الأمر الذي بدا لهم بالقسم ، ولامه ، ونون التوكيد ، ولكن السجن كان مؤقتا ، وليس مطلقا كما ظهر من كلامهم . وكان تأكيد السجن ، لأنه لم يكن منطقيا أن يسجن وهو البريء ، ولكن لأنهم وجدوه إطفاء لهذه الشائعة التي هزت مقومات المجتمع ، وأشاعت القول بالفاحشة - عن أكبر سيدة في مصر ، فكان التأكيد بالسجن ليقاوم منطق البراءة الذي يوجب الثناء وطيب الجزاء ، بدل العقاب والإلقاء في غياهب السجن . حسنت الألفة بين يوسف الحبيب ، ومن معه في السجن ؛ لأنه أليف بفطرته ، ولأن الضعف يقرب ولا يبعد ، ولأن محنة السجن جمعت بينهم ، والمحنة تجمع ، ولا تفرق . رأى أحدهما أنه يعصر خمرا ، أي يعصر عنبا يكون بعد ذلك خمرا ، فعبر بالخمر باعتبار المآل ، ورأى الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزا ، وتأكل الطير منه . اقتضى حسن الصحبة أن يلجئا إلى يوسف ، وقد توسما فيه الخير ، فاتجها إليه قائلين : نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي أخبرنا الخبر الخطير بتأويله أي بمعرفة مآله ، لأنا نراك محسنا من المحسنين ، أحسنا الظن به وأكدا أنهما يريانه محسنا من المحسنين . أجابهما يوسف ، ولكن قبل أن يجيبهما دعاهما إلى الحق وإلى عبادة اللّه وحده ، وأثبت ما يوجب نبوته ، ونحسب أنه في هذا الوقت بلغ كمال الرجولة ، ولنجزئ الكلام في المعجزة والدعوة . أما المعجزة فقد قال ما يدل على أنه يتكلم عن اللّه تعالى ، وأن اللّه تعالى يعلمه قال : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما . التأويل هنا معرفة حقيقة الطعام ، ومآله ، وقال ليس ذلك بإعلام أحد ، إنما هو من تعليم اللّه تعالى ، ولذا قال : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ، وإن ذلك إخبار